الغزالي
55
المستصفى
فإنا نعلمه غير معين ، ولو خاطب السيد عبده بأني أوجبت عليك الخياطة أو البناء فكيف يعلمه الله تعالى ولا يعلمه إلا على ما هو عليه من نعته ، ونعته أنه غير معين فيعلمه غير معين ، كما هو عليه ، وهذا التحقيق ، وهو أن الواجب ليس له وصف ذاتي من تعلق الايجاب به ، وإنما هو إضافة إلى الخطاب ، والخطاب بحسب النطق والذكر ، وخلق السواد في أحد الجسمين لا بعينه ، وخلق العلم في أحد الشخصين لا بعينه غير ممكن ، فأما ذكر واحد من اثنين لا على التعيين فممكن ، كمن يقول لزوجتيه : إحداكما طالق ، فالايجاب قول يتبع النطق ، فإن قيل الموجب طالب ، ومطلوبه لا بد أن يتميز عنده قلنا : يجوز أن يكون طلبه متعلقا بأحد أمرين ، كما تقول المرأة : زوجني من أحد الخاطبين أيهما كان ، وأعتق رقبة من هذه الرقاب أيها كانت ، وبايع أحد هذين الامامين أيهما كان ، فيكون المطلوب أحدهما لا بعينه ، وكل ما تصور طلبه تصور إيجابه ، فإن قيل : أن الله سبحانه يعلم ما سيأتي به المكلف ويتأدي به الواجب فيكون معينا في علم الله تعالى ؟ قلنا : يعلمه الله تعالى غير معين ، ثم يعلم أنه يتعين بفعله ما لم يكن متعينا قبل فعله ، ثم لو أتى بالجميع أو لم يأت بالجميع فكيف يتعين واحد في علم الله تعالى ، فإن قيل : فلم لا يجوز أن يوجب على أحد شخصين لا بعينه ، ولم قلتم بأن فرض الكفاية على الجميع مع أن الوجوب يسقط بفعل واحد ؟ قلنا : لان الوجوب يتحقق بالعقاب ، ولا يمكن عقاب أحد الشخصين لا بعينه ، ويجوز أن يقال أنه يعاقب على أحد الفعلين لا بعينه . - مسألة ( أصناف الواجب من حيث الوقت ) الواجب ينقسم بالإضافة إلى الوقت إلى مضيق وموسع ، وقال قوم : التوسع يناقض الوجوب ، وهو باطل عقلا وشرعا . أما العقل : فإن السيد إذا قال لعبده : خط هذا الثوب في بياض هذا النهار إما في أوله أو في أوسطه أو في آخره كيفما أردت ، فمهما فعلت فقد امتثلت إيجابي ، فهذا معقول ، ولا يخلو إما أن يقال لم يوجب شيئا أصلا ، أو أوجب شيئا مضيقا ، وهما محالان ، فلم يبق إلا أنه أوجب موسعا . وأما الشرع : فالاجماع منعقد على وجوب الصلاة عند الزوال ، وأنه مهما صلى كان مؤديا للفرض وممتثلا لأمر الايجاب ، مع أنه لا تضييق ، فإن قيل : حقيقة الواجب ما لا يسع تركه ، بل يعاقب عليه ، والصلاة والخياطة إن أضيفا إلى آخر الوقت فيعاقب على تركه ، فيكون وجوبه في آخر الوقت ، أما قبله فيتخير بين فعله وتركه وفعله خير من تركه ، وهذا حد الندب ؟ قلنا : كشف الغطاء عن هذا ، أن الأقسام في العقل ثلاثة : فعل لا عقاب على تركه مطلقا وهو الندب ، وفعل يعاقب على تركه مطلقا وهو الواجب ، وفعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت ، ولكن لا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت ، وهذا قسم ثالث ، فيفتقر إلى عبارة ثالثة ، وحقيقته لا تعدو الندب والوجوب ، فأولى الألقاب به الواجب الموسع ، أو الندب الذي لا يسع تركه ، وقد وجدنا الشرع يسمي هذا القسم واجبا ، بدليل انعقاد الاجماع على نية الفرض في ابتداء وقت الصلاة ، وعلى أنه يثاب على فعله ثواب الفرض لا ثواب الندب ، فإذا الأقسام الثلاثة لا ينكرها العقل ، والنزاع يرجع إلى اللفظ ، والذي ذكرناه أولى ، فإن قيل : ليس هذا قسما ثالثا بل هو بالإضافة إلى أول الوقت ندب ، إذ يجوز تركه ، وبالإضافة إلى آخر الوقت حتم إذ لا